تصوّر هذه الصورة مستنقعًا دافئًا رطبًا في أقصى الشمال على جزيرة إلزمير خلال الذروة الحرارية للإيوسين المبكر، قبل نحو 53–50 مليون سنة، حيث ترتفع أشجار الميتاسيكويا والغليبتوستروبوس الشبيهة بخشب الأحمر إلى ارتفاع 25–35 مترًا فوق قنوات مياه سوداء غنية بالتانينات وضباب قطبي ذهبي. على الضفة الموحلة يستلقي تمساحيّ الشكل شبيه بـ Asiatosuchus بطول يقارب 3 أمتار، فاغرًا فمه قليلًا ليتنظّم حراريًا بين السرخسيات وذيول الخيل وتحت ظلال الغابة الكثيفة. يكشف هذا المشهد أن القطب الشمالي كان، في ذلك الزمن الدافئ من حقبة الحياة الحديثة المبكرة، عالمًا من غابات فيضية وخثّية عامرة بدلًا من الجليد، شهادةً مدهشة على مدى تغيّر مناخ الأرض عبر الزمن السحيق.
فوق بحيرة ماسل البركانية الهادئة في وسط ألمانيا، قبل نحو 47 مليون سنة خلال الإيوسين المبكر، ترفرف عشرات الخفافيش البدائية الصغيرة عند الشفق فوق ماء أخضر داكن يكاد يكون أسود، بينما تنزلق اليعاسيب والحشرات الأخرى قرب السطح وتغيب غابة عريضة الأوراق شبه الاستوائية في ضباب بنفسجي خافت. تُرى هنا أنواع مبكرة مثل أونيخونيكتيريس فينيي وإيكارونيكتيريس إنديكس، بأجنحة تمتد نحو 25–40 سم، وهي من أقدم الخفافيش المعروفة وتُظهر بدايات تطور الطيران النشط والصيد الجوي للحشرات. كان هذا المار البركاني العميق، المحاط بطبقات طف بركاني ورماد، بيئة راكدة فقيرة بالأكسجين ساعدت لاحقًا على حفظ كائنات ماسل الأحفورية بتفاصيل مدهشة، مانحةً لنا نافذة نادرة على مساء من عالَم سحيق.
في سهول داخلية مفتوحة من أمريكا الشمالية خلال الأوليغوسين، قبل نحو 30–28 مليون سنة، نرى جملاً مبكراً رشيقاً من جنس Poebrotherium وعدواً شبيهاً بالحصان من قريبات وحيد القرن يُدعى Hyracodon يعبران مجرى موسمياً جافاً بين أعشاب باهتة وأشجار نفضية متناثرة، فيما ترتفع في الأفق تلال البادلاند الرمادية المكوّنة من طينيات ورمال ورماد بركاني رقيق. يوثّق هذا المشهد عالماً أبرد وأكثر موسمية من الأزمنة الأسبق في الباليوجين، حين كانت الغابات تنحسر لصالح الأحراج المفتوحة والسهوب المشجّرة، وتتكيف الثدييات السريعة طويلة الأرجل مع الحياة في الأراضي المكشوفة. إنه لمحة من زمن عميق كانت فيه أسلاف الجمال ووحيد القرن تجوب قارة تتشكل بفعل أحواض رسوبية وارتفاعات تكتونية واسعة.
على ضفة نهر موحلة في حوض بيغهورن بوايومنغ، بعد أمطار غزيرة خلال الحدّ الحراري الأقصى بين الباليوسيني والإيوسيني، تتحرك حيوانات Hyracotherium الصغيرة الشبيهة بحجم كلب وDiacodexis الدقيقة بحجم أرنب بحذر بين الجذوع المقتلعة وأكوام الأوراق تحت ظلال الدلب Platanus وأشجار الغار والنخيل. يعود هذا المشهد إلى نحو 56 مليون سنة، حين ارتفعت حرارة الأرض سريعًا خلال PETM، فغمرت الغابات شبه المدارية السهول الفيضية الدافئة في نصف الكرة الشمالي. تمثل هذه الثدييات ذوات الحوافر المبكرة مراحل أولى من تطور الخيليات ومزدوجات الأصابع، وتُظهر كيف ازدهرت الثدييات الصغيرة العامة البنية في عالم دفيء ورطب يختلف كثيرًا عن بيئات اليوم.
في بحار الرف القاري الخارجية الدافئة خلال الإيوسين المبكر إلى الأوسط، قبل نحو 56–41 مليون سنة، يندفع القرش العملاق Otodus obliquus بطول 8–10 أمتار عبر سرب كثيف من الأسماك العظمية الشبيهة بالإسقمريات، بينما ينساب أسفله نوتيلوس مخطط وسط عوالق بحرية غنية بمنخربات Globigerinatheka. تكشف هذه اللقطة عن مفترس قمّي من أوائل أسماك القرش العظمى، بأسنان مثلثة كبيرة أقل تسنينًا من أقاربه اللاحقين، في محيط إيوسيني شبه مداري ازدهرت فيه العوالق والأسماك الحديثة بعد تعافي النظم البحرية من انقراض نهاية الطباشيري.
في مصبّ دافئ على ساحل بحر تيثس الهندي‑الباكستاني قبل نحو 50–48 مليون سنة، يندفع الحوت البدائي أمبولوستس ناتانس (Ambulocetus natans) بطول يقارب 3 أمتار عبر مياهٍ شروبٍ عكرة بلونٍ أخضر‑بني، مطاردًا سربًا من الأسماك قرب ألسنة رملية مثقبة بجحور روبيان الشبح كاللياناسا (Callianassa). تُظهر أطرافه القوية وقدماه الخلفيتان العريضتان وخطمه الطويل كيف كانت الحيتان المبكرة لا تزال تعيش بين اليابسة والماء، قادرة على السباحة والجرّ على الضفاف في آنٍ واحد. يعيد هذا المشهد من الإيوسين المبكر، في عالمٍ دفيء رطب تظلّله غيوم العواصف وتحيط به نباتات ساحلية شبيهة بالمانغروف، تصوير مرحلةٍ انتقالية حاسمة في تطور الحيتان من أسلاف برية إلى سادة البحار.
عند الحدّ الفاصل بين الباليوسين والإيوسين قبل نحو 56 مليون سنة، يُظهر هذا المشهد ساحل شرق غرينلاند وهو ينشطر مع انفتاح شمال الأطلسي، بينما تتدفق أنهار من البازلت الثولييتي المتوهّج من شقوق طويلة عبر حقول حمم سوداء حديثة التكوّن. تتصاعد نوافير اللابة وأعمدة الرماد والغاز الكبريتي فوق جروف بازلتية متصدعة ودايكات دوليريت مكشوفة، فيما تنفجر سحب بخار كثيفة حيث تلامس الحمم مياه البحر. تمثل هذه الثورات جزءًا من المقاطعة النارية لشمال الأطلسي، وهي فيضانات بازلتية هائلة ارتبطت ببدايات انفصال غرينلاند عن أوروبا وربما ساهمت، مع إطلاق ثاني أكسيد الكربون وغازات أخرى، في احترار عالمي شديد خلال الحدث الحراري الأقصى بين الباليوسين والإيوسين.
في بحر إيوسيني دافئ قبل نحو 56–41 مليون سنة، تُظهر هذه الصورة رقعة شعابية صغيرة على الرف الشمالي لبحر تيثس، حيث تتلألأ المياه الفيروزية فوق قباب مرجان Porites المتينة، وأغصان Stylophora الرقيقة، ومرجانيات شبيهة بـ Favites ذات الحجرات السداسية. بين الرمل الجيري والركام القوقعي تسبح أسراب السمكة القرصية Mene rhombea، بينما تنساب سلاحف Eochelone فوق الشعاب وتتحرك قنافذ البحر البنفسجية وسرطانات سباحية شبيهة بـ Portunus عبر الشقوق والقاع. يجسد هذا المشهد بيئة بحرية ضحلة مستقرة على منصة كربوناتية خلال ذروة دفء الإيوسين، حين كانت الشعاب المرجانية الحديثة المظهر تعيد بناء النظم البيئية البحرية في عالم أشد حرارة ورطوبة من عالمنا اليوم.
تحت مياه بحر تيثس الدافئة والضحلة خلال العصر الإيوسيني، قبل نحو 56 إلى 34 مليون سنة، يمتد سهل كربوناتي واسع تغطيه أعداد هائلة من المنخربات القاعية الكبيرة مثل نوموليتس Alveolina ونوموليتس Nummulites، فتبدو قواقعها كعملات وأجسام مغزلية متناثرة فوق طين الجير المضيء. بين هذه “المصنعـات” الطبيعية للحجر الجيري ترتفع رقع مرجانية صغيرة، بينما تنساب شفانين صغيرة فوق القاع في مياه فيروزية لا يتجاوز عمقها 5–10 أمتار. وقد أسهمت تراكمات هذه الكائنات الدقيقة، مع الطحالب الكلسية وكائنات الرف القاري الأخرى، في بناء كثير من صخور الحجر الجيري الشهيرة التي نعرفها اليوم من أقاليم تيثس القديمة.
في مستنقعات تكوين سيرّخون بشمال أمريكا الجنوبية قبل نحو 60–58 مليون سنة، ينزلق الثعبان العملاق تيتانوبوا سيرّيخونينسيس بطول يقارب 12–13 مترًا عبر مياه بنية داكنة مشبعة بالعفص، إلى جوار السلحفاة الضخمة كاربونيميس كوفرينيي ذات الدرع الذي يبلغ نحو 1.6 متر. يحيط بهما فجرٌ خانق الرطوبة وسط غابة مطيرة من العصر الباليوسيني، حيث النخيل والسرخسيات العملاقة والأشجار المزهرة ذات الجذوع الدعامية ترتفع فوق طين لاتيريتي برتقالي وأوحال عضوية راكدة. تكشف هذه البيئة الاستوائية، التي تعافت بعد انقراض نهاية الطباشيري، عن عالم دفيء على نحو استثنائي ازدهرت فيه زواحف هائلة الحجم في قلب إحدى أقدم الغابات المطيرة المعروفة في الزمن السحيق.
في هذا المشهد من العصر الإيوسيني، قبل نحو 56 إلى 33.9 مليون سنة، تمتد بحيرة مرجانية استوائية صافية بلون فيروزي خلف حاجز شعابي منخفض، فوق رمال كربوناتية بيضاء متموجة تنمو فيها أعشاب بحرية حقيقية وترعى بينها قنافذ بحر منتظمة. ترتفع مستعمرات المرجان المتشعب من أكروبورا والقباب الكريمية من بوريتس، بينما تكسوها طحالب جيرية وردية، وعلى الحافة الخارجية تنجرف رأسيات قدم شبيهة بالنوتيلوس ذات أصداف مخططة. في الوسط يتغذى خيلاني مبكر بطول نحو 2.5 متر على الأعشاب البحرية، في تذكير بأن بحار الأرض الدافئة في عالم الدفيئة الإيوسيني كانت موطنًا لنظم شعابية قديمة مزدهرة سبقت كثيرًا ملامح الشعاب الاستوائية الحديثة.
في مصبٍّ مداريّ دافئ على الحافة الشرقية لبحر تيثس قبل نحو 50–48 مليون سنة، يندفع الحوت البدائي أمبولوستس ناتانس Ambulocetus natans من المياه الضحلة العكرة مطاردًا أسراب السمك، بينما تجوب في القناة الأعمق أفراد رودهوستس Rodhocetus الأكثر انسيابًا والأشد تكيّفًا مع السباحة. تكشف هذه اللحظة من العصر الإيوسيني المبكر مرحلة انتقالية حاسمة في تطور الحيتان الأركيوسية، حين كانت أسلاف الحيتان لا تزال تحتفظ بأطراف قوية وأقدام عريضة للمشي والخوض، لكنها أصبحت تعتمد increasingly على الذيل والجسم في الدفع داخل المصبات الساحلية الموحلة. بين الجذور الشبيهة بالمانغروف وضفاف الطمي وسحب الرياح الموسمية المتراكمة، يلتقط المشهد زمنًا عميقًا كانت فيه شبه القارة الهندية الاستوائية مسرحًا لتحول الثدييات البرية إلى حيتان البحر.
في بحرٍ استوائي ضحل من أواخر العصر الإيوسيني بوادي الحيتان في مصر، قبل نحو 37–34 مليون سنة، يلتفّ الحوت البدائي العملاق باسيلوصورس إيزيس Basilosaurus isis، بطول يقارب 18 مترًا، عبر مياه زرقاء صافية لينقضّ على دورودون أتروكس Dorudon atrox الأصغر بكثير. يُظهر المشهد أحد أقدم أنظمة الافتراس المعروفة لدى الحيتان البحرية الكاملة، فوق قاع رملي كربوناتي تنتشر عليه الشفنينات وتلوح في الخلفية ظلال قروش إيوسينية. كانت هذه الكائنات من الأرخيستيات، وهي حيتان مبكرة احتفظت بأجسام طويلة وأطراف أمامية صغيرة بينما تكيفت تمامًا مع الحياة في بحر التيثس الدافئ، في لمحة آسرة من زمنٍ سحيق سبق ظهور الحيتان الحديثة.
على قوسٍ جزريّ بركاني في جنوب شرق آسيا خلال الباليوجين، وعلى الأرجح في الإيوسين الدافئ قبل نحو 56–34 مليون سنة، يرى المشاهد غابةً مطيرة ساحلية كثيفة من النخيليات وأشجار الغار والسراخس الشجرية والسيكاديات والمتسلقات، تتشبث بشاطئٍ صخري من البازلت الأسود والرماد البركاني الطازج. خلفها ترتفع جروف بازلتية شاهقة ومنحدرات رماد غير مستقرة تتصاعد منها أبخرة الفومارولات، بينما تعصف الأمواج بحيدٍ مرجاني هامشي تحت سحبٍ رعدية مطرية كثيفة. يجسد هذا المنظر عالماً استوائياً من «مناخ الدفيئة» في حقبة الحياة الحديثة المبكرة، حين شكّلت الأقواس البركانية والبحار الضحلة والطقس الحار الرطب موائل غنية للنباتات المزهرة المبكرة والسراخس والشعاب المرجانية في عمق الزمن.
في منخفض الفيوم بشمال إفريقيا، تكشف هذه الغابة النهرية الرطبة عن عالمٍ استوائي من أواخر الإيوسين إلى أوائل الأوليغوسين، قبل نحو 34–30 مليون سنة، حيث ترتفع كاسيات البذور الدائمة الخضرة حتى نحو 40 مترًا وتتدلّى الليانات فوق مستنقع فيضي موحل. بين الأغصان تقفز قرود عليا مبكرة مثل أبيديوم Apidium، بحجم قطة تقريبًا، بينما يتحرك الأكبر حجمًا إيجيبتوبيثيكوس Aegyptopithecus بحذر على الفروع المتينة، في مشهد يوثق مرحلة مبكرة مهمة من تطور الرئيسيات الإفريقية. وفي الأسفل، وسط القصب والمياه الضحلة، يقف مويريثيريوم Moeritherium، وهو قريب بدائي للفيلة بطول 2.5–3 أمتار، بجسم منخفض وخطم قصير يشبه بداية الخرطوم، ضمن بيئة دلتاوية-مستنقعية حفظتها رواسب الفيوم الشهيرة.
تحت مياه أنتاركتيكا الساحلية الخضراء والباردة في عصر الإيوسين، قبل نحو 56–34 مليون سنة وقبل أن تتجمد القارة بالكامل، تنطلق بطاريق عملاقة من البطاريق الجذعية عديمة الطيران مثل بالاييودايبتس (Palaeeudyptes) بمنقارها الرمحي الطويل وأنثروبورنيس (Anthropornis) الأضخم صدرًا ورأسًا، في مطاردة سريعة لأسراب أسماك فضية صغيرة شبيهة بالرنكة. يبلغ طول هذه الطيور على اليابسة نحو 1.7–2 متر، لكن أجسامها الانسيابية وأجنحتها المتحورة إلى زعانف صلبة جعلتها صيادات مائية هائلة فوق قاع رف قاري موحل تنتشر عليه ذراعيات الأرجل والإسكالوب والإسفنجات الشاحبة. تكشف هذه اللقطة عن عالم قطبي قديم كان أكثر اعتدالًا وإنتاجية من أنتاركتيكا الحديثة، حين كانت السواحل لا تزال مجاورة لغابات إيوسينية وتزدهر فيها بحار جنوبية غنية بالحياة.
قبل نحو 34 مليون سنة، عند انتقال الإيوسين إلى الأوليجوسين، تُظهر هذه الصورة سهلًا ساحليًا قطبيًا في أنتاركتيكا وقد بدأ الجليد القاري الأول يتمدد عبره: ألسنة جليدية بيضاء تهبط من الداخل، وجداول ذوبان متشعبة تشق رواسب رمادية حديثة، بينما تنكمش شجيرات الزان الجنوبي نوثوفاغوس قرب الضفاف تحت رياح محمّلة بالثلج. كان هذا التحول علامة فاصلة في تاريخ الأرض، حين انتقلت القارة من بيئات حرجية أكثر اعتدالًا إلى عالم أبرد تهيمن عليه الأنهار الجليدية والبحر الجنوبي الآخذ في البرودة. النباتات الظاهرة هنا—شجيرات نوثوفاغوس القزمة مع أغطية من الحزازيات والكبديات—تمثل بقايا فلورا غوندوانية كانت تتراجع أمام التجلد المتسارع، في مشهد يجسد بداية أنتاركتيكا الجليدية الحديثة.
في غابة مطيرة أسترالية خانقة الرطوبة من أوائل الإيوسين، قبل نحو 56–47 مليون سنة، تتسلق جرابيات بدائية صغيرة شبيهة بالأبوسوم أغصانًا مكسوّة بالطحالب فوق أرض خثية داكنة لامعة بمياه الأمطار. تهيمن على المشهد أشجار الأروكاريا المستقيمة والبودوكارب وسراخس الأشجار وأوراق كاسيات البذور الدائمة الخضرة، في بقايا عالم غوندواني دافئ حين كانت أستراليا قد بدأت تنفصل عن القارة القطبية الجنوبية لكنها ما تزال مغمورة بمناخ دفيئي رطب. تمثل هذه الحيوانات متسلقات جرابية مبكرة من الأستراليدلفيات، على شاكلة Djarthia وأشباه البيراديكتيدات، بأذيال قابضة وخطم دقيق وأجسام لا تتجاوز 10–20 سم، تكشف عن البدايات المبكرة لسلالة الجرابيات الأسترالية في ظلال الزمن السحيق.
في أواخر الإيوسين قبل نحو 37–34 مليون سنة، تجوب طيور الرعب من الفوروسراهسيدات سهول باتاغونيا الفيضية المغبرة بالرماد عند سفوح الأنديز البدائية، حيث يترصّد هذا المفترس الطويل—الذي يبلغ ارتفاعه نحو 1.7–1.9 مترًا—فرائس صغيرة من النوستوستيليوبس Notostylops، وهي ثدييات حافرية بدائية بحجم الأرنب من مجموعة النوونغولات. يُظهر المشهد منقارًا معقوفًا هائلًا، وأرجلًا قوية للعدو، وأجنحةً ضامرة، وهي سمات جعلت هذه الطيور من أبرز مفترسات أمريكا الجنوبية المعزولة خلال الباليوجين. وبين ضفاف الطين، وقنوات الأنهار المتشعبة، وغابات النوثوفاغوس المتناثرة، تلمّح السماء الكبريتية والبراكين الدخانية إلى عالم دافئ ونشط جيولوجيًا، سابق بزمن طويل لبرودة القارة القطبية الجنوبية الحديثة.
تُظهر هذه الصورة قاع رصيف بحري من أواخر الإيوسين في جنوب أستراليا، قبل نحو 34–38 مليون سنة، حيث تمتد مستعمرات البريوزوا المتفرعة والدقيقة كشبكة دانتيلية فوق حصى الأصداف الكلسية وبين قشور الطحالب الحمراء المرجانية الوردية. وبين هذه “الغابات” الصغيرة تزحف قنافذ بحرية من مجموعة السيدارويدات بأشواك سوداء سميكة، وتستقر أسقلوبات على القاع بينما تتحرك سرطانات صغيرة بحذر بين الفروع الهشة. يمثّل هذا المشهد نظامًا بحريًا معتدلًا غنيًا بالكربونات الباردة، ازدهر في نصف الكرة الجنوبي حين كانت أستراليا تزداد انعزالًا عن القارة القطبية الجنوبية، كاشفًا عالمًا بحريًا قديمًا لم تبنه الشعاب المرجانية الاستوائية بل كائنات دقيقة المستعمرات صنعت بحارًا كاملة من الهياكل الكلسية.
في خليج شبه قطبي قرب شبه الجزيرة القطبية الجنوبية قبل نحو 34–36 مليون سنة، ينساب الحوت البدائي لانوسيتوس دينتيكريناتوس (Llanocetus denticrenatus) بطول يقارب 8 أمتار تحت سطح مياه باردة داكنة غنية بالعوالق، بينما تدور أسماك القرش ستراتولاميا ماكروتا (Striatolamia macrota) في العمق وتظهر بطاريق إيوسينية عملاقة عند السطح البعيد. تكشف هذه اللقطة من أواخر الإيوسين عن مرحلة انتقالية مهمة في تطور الحيتان البالينية: فـلانوسيتوس كان من السلالة الجذعية للحيتان البالينية، لكنه احتفظ بأسنان متمايزة ولثة عميقة بدل صفائح البالين الحديثة. وعلى الشاطئ تبدو سواحل من الحجر الرملي والطَّفّ البركاني مع غابات نوثوفاغوس وصنوبريات متناثرة، في عالم قطبي لم تغطه الجليدات الكبرى بعد، قبيل التحول المناخي الذي سيدفع القارة القطبية الجنوبية نحو تجمدها الحديث.
في بحار نصف الكرة الجنوبي الدافئة خلال أوائل إلى أواسط الباليوجين، قبل نحو 66 إلى 34 مليون سنة، كانت شعاب كربوناتية ضحلة قبالة شمال أستراليا أو جنوب إفريقيا تزدهر تحت ضوء شمسي استوائي ساطع. يُظهر المشهد غابات متفرعة من مرجان أكروبورا ومستعمرات قُبّبية من بوريتس، تتخللها أقلام البحر فوق رمال جيرية حيوية، بينما تسبح فوقها رأسيات قدم شبيهة بالنوتيلوس ذات أصداف مخططة، وتتحرك بينها أسماك شعابية مبكرة وهيمنتها عظميات حديثة نسبيًا. وعلى القاع، تضيف محارات الإسكالوب الصغيرة وجراد البحر المرقط مقياسًا للحياة الكثيفة في نظام بيئي ازدهر في عالم دفيء قبل أن تبرد محيطات الجنوب وتنعزل القارات أكثر فأكثر.
في أواخر العصر الإيوسيني، قبل نحو 40–34 مليون سنة، يشقّ الحوت البدائي المفترس باسيليوصوروس إيزيس مسافة 15–18 مترًا أمواج المحيط المفتوح بجسمه الطويل المتلوّي، بينما تهرب تحته مجموعة من دورودون أتروكس الأصغر حجمًا بين أسراب أسماك عظمية لامعة قرب السطح. وفي العمق يلوح ظل قرش صفائحي كبير مثل أوتودوس أوبليكوس، مذكّرًا بأن بحار الباليوجين كانت قد أصبحت عالمًا تهيمن عليه الأسماك والقروش والحيتان المبكرة بعد اختفاء الزواحف البحرية العملاقة في نهاية العصر الطباشيري. تكشف هذه اللحظة عن مرحلة حاسمة في تطور الحيتان، حين كانت لا تزال تحتفظ بسمات انتقالية مدهشة، مثل الأطراف الخلفية الضامرة وأجسام تختلف كثيرًا عن حيتان اليوم.
على ساحلٍ جنوبي مرتفع العرض في عصر الإيوسين، قبل نحو 50–34 مليون سنة، تخترق أمواج خضراء فولاذية الشاطئ بينما تندفع بطاريق أنثروبورنيس العملاقة عبر المياه الضحلة وتقف أخرى على الحصى والأخشاب الطافية بارتفاع مذهل يبلغ نحو 1.5–1.8 متر. وراءها تمتد غابة ساحلية رطبة تهيمن عليها مخروطيّات شبيهة بالميتاسيكويا مع سرخسيات كثيفة، في عالمٍ قطبي دافئ نسبيًا بلا جليد دائم. تمثل هذه الطيور الجذعية المبكرة من البطاريق، ومنها Anthropornis nordenskjoeldi، مرحلة ازدهار مذهلة لبطاريق عملاقة في محيطات الباليوجين الجنوبية بعد انقراض نهاية الطباشيري، حين كانت سواحل أنتاركتيكا وشبه القطبية تعج بحياة بحرية آخذة في التشكل على نحو حديث.
في بحيرة ضحلة دافئة من بحر تيثس خلال الإيوسين المبكر، قبل نحو 56–47 مليون سنة، ينساب ضوء الشمس عبر ماء فيروزي صافٍ ليكشف قاعًا كربوناتيًا أبيض مغطى بآلاف أقراص النوموليتس Nummulites الشبيهة بالعملات، وبينها فورامنيفرا ممدودة من جنس Alveolina وبقع متناثرة من الأعشاب البحرية المبكرة. فوق هذا السهل الحي يرعى Eotheroides، وهو خروف بحر بدائي بطول يقارب 2.5 متر، قرب شعاب رقعية منخفضة من مرجان Porites ومرجانيات فافييد ذات النسيج الشبيه بخلية النحل. تمثل هذه البيئات المدارية الضحلة أحد أشهر مشاهد البحار الباليوجينية، حيث تراكمت هياكل الفورامنيفرا والمرجان في رمال جيرية قد تتحول لاحقًا إلى الحجر الجيري النوموليتي، سجلًا صخريًا لعالم دفيء ازدهر بعد انقراض نهاية العصر الطباشيري.
في أعماق محيطات العصر الباليوجيني خلال الحدّ الحراري الأقصى بين الباليوسين والإيوسين قبل نحو 56 مليون سنة، يمتد سهل سحيق مغطى بطين بني زيتوني تتناثر فوقه أصداف المنخربات العوالقية الذائبة والمكسورة، شاهدةً على تحمّض المياه العميقة وارتفاع أفق ذوبان الكربونات. تبدو الحياة القاعية فقيرة ومجهدة، فلا يظهر سوى نجم هشّ صغير وخيار بحر ضئيل وبعض فتحات الجحور، بينما ينساب فوق القاع ببطء قرش بقري شبيه بجنس Hexanchus بستة شقوق خيشومية، في مشهد يجسّد أثر الانبعاث السريع للكربون والاحترار المفاجئ على النظم البيئية في أعماق البحر.
على رفٍّ بحريٍّ من شمال الأطلسي قبل نحو 56–60 مليون سنة، ترتفع جروف بازلتية سوداء من تدفّقات الحمم العمودية وصفائح البازلت الفيضي عند حافة المقاطعة النارية لشمال الأطلسي، فيما تمتد دلتا حممية متبخرة إلى بحر رمادي مضطرب تغمره سحب الرماد والخفاف الطافي. على طول المياه الضحلة تظهر أسماك عظمية نافقة وأفراد شبيهة بـBelosaepia، وهي قريبات مبكرة للحبارية يتراوح طولها بين 20 و40 سم، عالقة أو تحتضر بفعل التسمم والاختناق واضطراب المياه. يجسّد هذا المشهد بداية الإيوسيني المتأخر من العصر الباليوسيني، حين هزّ النشاط البركاني الهائل السواحل والبحار وأعاد تشكيل النظم البيئية البحرية في عالم كان لا يزال يتعافى من انقراض نهاية العصر الطباشيري.
عند مصب نهرٍ من بحر التيثس في العصر الإيوسيني الأوسط، قبل نحو 47–43 مليون سنة، يرقد الحوت المبكر أمبولوكيتس ناتانس نصفَ مغمورٍ في مياهٍ بنية عكرة بين طين المدّ وجذور نخيل النيبا، قرب تجمعات محار أوستريا، بينما تنزلق يعاسيب فوق السطح ويترصّد تمساحيّ الشكل من الديروسوريات على حافة القناة. يُظهر هذا المشهد مرحلةً انتقالية مدهشة في تطور الحيتان، حين كانت لا تزال تحتفظ بأطراف قوية وأقدام مفلطحة تسمح لها بالحركة في اليابسة والماء معًا، في بيئة مصبّية دافئة تعجّ بالرخويات والأسماك الصغيرة والمفترسات الساحلية. هنا، في مستنقعات التيثس الاستوائية، بدأت بعض الثدييات البرية رحلتها الطويلة نحو أن تصبح حيتانًا بحرية كاملة.